ابن حزم

57

رسائل ابن حزم الأندلسي

الهجر وهو آفات الحب ، وهما يقفان متباعدين إذا التزمنا بالمقولات الثلاث . لهذا بعد ان قرر ابن حزم هذا الهيكل المنطقي عاد فغير ترتيب الفصول بحيث يتوازى كل موضوع مع ضده إن وجد له ضد . وقد حتم عليه هذا المنهج ان يستبعد موضوعات تتصل بالحب أو يجعلها هامشية بينما يعالجها غيره في فصول مستقلة مثل الشوق والحنين ، والبكاء والعتاب والغيرة ، ودرجات المحبة ، ولا ريب في أن ابن حزم تحدث عن هذه الموضوعات ، إلا أنه رآها تفريعاً على موضوعات أكبر منها ، فجعل البكاء من علامات الحب ، والمح إلى العتاب في مواطن ، وتحدث عن غيرته هو وعن القنوع بالشركة في المحبوب لذهاب الغيرة وعن سقوط ابن الجزيري وغيره لسقوط الغيرة من نفوسهم ، ولعله أدرك من بعد أن منهجه في الطوق لم يمكنه من تحديد بعض الأمور المتعلقة بموضوع الحب فعاد إلى " الغيرة " في رسالته " في مداواة النفوس " فحددها بأنها " خلق فاضل متركب من النجدة والعدل لان من عدل كره أن يتعدى إلى حرمة غيره وأن يتعدى غيره على حرمته ، ومن كانت النجدة له طبعاً حدثت فيه عزة ، ومن العزة الأنفة من الاهتضام " ( 1 ) وقرر هنالك ان الغيرة إذا ارتفعت ارتفعت المحبة ( 2 ) . فابن حزم إذن لا يمكن أن يفرد للغيرة باباً في رسالة عن الحب لأنها " خلق " ولكنه قد يتحدث عنها في معرض الحديث عن ظواهر معينة من الحب . وفي رسالة مداواة النفوس توقف عند درج المحبة ، وهو موضوع لم يتح له منهجه في الطوق أن يعالجه فقال : " درج المحبة خمسة أولها الاستحسان وهو أن يتمثل الناظر صورة المنظور إليه حسنة أو يستحسن أخلاقه ، وهذا يدخل في باب التصادق ، ثم الإعجاب وهو رغبة الناظر في المنظور اليه في قربه ، ثم الألفة وهي الوحشة إليه متى غاب ، ثم

--> ( 1 ) رسائل ابن حزم : 141 . ( 2 ) المصدر نفسه .